عمر بن أحمد العقيلي الحلبي ( ابن العديم )
375
الوصلة إلى الحبيب في وصف الطيبات والطيب
بن خوارزم شاه مدينة خلاط « 1 » وحاصر المدينة ونصب عليها عدة مجانيق ، وواتر رمي الحجارة عليها حتى خرب بعض أسوارها إلى أن تمكن من فتحها ودخولها في يوم الأحد الثامن والعشرين من جمادى الآخرة من هذه السنة ، ووضع السيف في رقاب أهلها ، ففر بعضهم وبعضهم مات في البلد جوعا ، وبعضهم صعد إلى القلعة مع من صعد إليها من الأمراء والأجناد وكانت الأقوات قد قلت بل عدمت بخلاط « حتى أكل أهلها البغال والحمير والكلاب والسنانير ، وكانوا يصطادون الفأر ويأكلونه ، وصبروا صبرا لم يصبره محاصر خوفا من جلال الدين وما يعرفونه منه من إقدامه على سفك الدماء « 2 » » . ولعل من الطريف هنا أن أذكر هذه الحادثة عن جلال الدين ، فقد كان رغم بطشه وقوة سلطانه ضعيفا أمام عواطفه منهارا في حبه ، ظل مضربا عن الطعام والشراب مدة طويلة لموت مملوك له كان يحبه محبة مفرطة وكان المملوك خصيا يقال له « قلج » . فحزن عليه جلال الدين حزنا شديدا . « وأظهر من الجزع والهلع ما لا مزيد عليه ، ثم إنه لم يدفن ذلك المملوك وانما كان يستصحبه معه حيث سار ، وهو يلطم ويبكي ، وامتنع عن الأكل والشرب وكان إذا قدم اليه الطعام يقول : احملوا من هذا إلى « قلج » ولم يتجاسر أحد أن يتفوه بأنه مات ، فقتل من قال ذلك ، وكانوا يحملون إلى « قلج » الطعام ثم يعودون اليه ويقولون : انه يقبل الأرض ويقول انني الآن أصلح مما كنت ، وظل جلال الدين على هذه الحال مما أغضب الأمراء منه لهذا السلوك ، واحتار فيما يصنع عندما خرج عليه التتر فحينئذ دفن الغلام « 3 » » . وهكذا تعرضت البلاد العربية في العهد الأيوبي لكثير من المجاعات وكانت أسبابها متعددة كما رأينا ، وكان لا بد للأمراء الأيوبين من اتخاذ تدابير حاسمة لانقاذ البلاد منها وايجاد الحلول السريعة لإيقافها أو للتخفيف من وقعها . وفي كتاب صغير للمقريزي « 4 » هو كتاب « إغاثة الأمة بكشف الغمة » وصف موجز لبعض هذه المجاعات وعرض خاطف لأسباب وقوعها ، وبيان سريع لبعض
--> ( 1 ) خلاط : بكسر أوله : هي قصبة أرمينية الوسطى ، فيها الفواكه الكثيرة والمياه الغزيرة كان يجلب منها السمك المعروف بالطريخ ( أنظر معجم البلدان لياقوت : ج 2 ، ص 381 ) . ( 2 ) مفرج الكروب في أخبار بني أيوب لجمال الدين محمد بن سالم بن واصل : ج 4 ، ص 294 . ( 3 ) مفرج الكروب لابن واصل : ج 4 ، ص 319 . ( 4 ) إغاثة الأمة بكشف الغمة للمقريزي : ص 24 - 40 ط : لجنة التأليف بمصر القاهرة سنة 1940 م .